امتزجت سيرة الزجل بسيرته:
 أبو علي شاعر "المرجلة"

في عالم الإبداع تتصدر الواجهة أسماء كثيرة، لكن قلة من تلك الأسماء تترك خلفها بصمة.. بصمة التمايز.
رحل أبو علي زين شعيب مخلفاً وراءه أكثر من بصمة وأكثر من محطة، وقد حفر عميقاً في صخرة الشعر الزجلي من خلال لون المرجلة والتحدي والمبارزة الذي اختاره منذ البداية، من خلال تقاطع أصل شخصيته مع زجله.. ومن هنا جاءت كنية "أبو علي" التي كان الناس ينادونه بها منذ الصغر.
في حياته بلغ أكثر من مجد، وشاهد ما يشتهيه كبار الشعراء في العالم، ألا وهو حب الناس وتجاوبهم. لا بل ودفعهم مقابلاً مادياً لقاء مشاهدة صولة من صولاته ضمن جوقة زغلول الدامور، وفي كثير من الأحيان كانت ملاعب كرة القدم هي المكان الوحيد الذي يمكنه احتضان السيل الجارف من الناس التواقين لسماع لغتهم المحكية، وهي في أبهى حلّة.
لقد أصبح اسم زين شعيب خيطاً في نسيج كلمة زجل، فلا تذكر إلا وهو معها، ولا يُذكر إلا وهي معه.
سيرة الزجل
يُعرّف الزجل على أنه شعر منظوم بالعاميات العربية، ويتبع عادة الأوزان الخليلية، ولا سيما في المشرق. ومن المعروف أن انطلاقة الزجل ترقى الى القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). ذاع الزجل في كثير من المناطق لتعبّر به طبقات الشعب عن أغراضها وأحزانها وأفراحها.
إن المتابع لتاريخ الزجل في لبنان يجد أن هذا الفن هو فعل إبداعي ذاتي، وليس فعلاً تابعاً إلا في بداياته، وهو لاحقاً توطن في لبنان وأصبح أصيلاً، وكأن لبنان موطنه الأخير.
أهمية الزجل اللبناني كبيرة جداً، لأنه فن ملاصق لنفسية شعبنا.. فلغته سهلة جداً، نستطيع فهمها ببساطة ومن دون أي جهد. كما أنه سهل للحفظ، يدخل الذاكرة من دون استئذان. وأهميته الأخرى هي أنه يحاكي مشاعر الناس، جميع الناس، يدغدغ عواطفهم وانفعالاتهم.. لذلك نجد جمهور الزجل جمهوراً انفعالياً، يكون مرتكزاً الى التفاعل الذي يحصل مع الزجّال الذي يعرف كيف يحرك عواطف الجمهور ومشاعره.
تبلور المدارس
يمكننا القول إن مدارس الزجل اللبناني تبلورت في مطلع القرن العشرين، عندما ظهرت شخصية الشاعر رشيد نخلة الذي رفع مقام هذا اللون من الشعر الشعبي، بما تمتاز به شخصيته الأدبية ومقامه المرموق في الوسط الشعبي هناك. فهو شاعر من شعراء الفصحى المعروفين، وهو ناظم النشيد الوطني اللبناني، ورابح الجائزة الأولى فيه، يوم تبارى في نظم هذا النشيد البارزون من شعراء لبنان، كالأخطل الصغير وحليم دموس، وكان المجلي من بينهم هو "أمير الزجل اللبناني" رشيد نخلة.

مدرسة الزغلول و"أبو علي"
بعد أن توفي رشيد نخلة وتبعه "شحرور الوادي" وانفرطت فرقته، قامت هنا وهناك فرق متنوعة مختلفة لا تكاد تبرز حتى تغيب في غياهب النسيان.. ولم تستمر من هذه الفرق إلا فرقة زغلول الدامور التي تضم من الشعراء: زين شعيب، أسعد سعيد وجان رعد، وكان زين شعيب أكثر أعضائها نبوغاً.
من مظاهر هذه المدرسة أنها تهتم باللفظة البسيطة، وتعالج الكثير من المواضيع الآنية الحديثة، ما يخلق تواصلاً مباشراً مع الواقع ومتغيراته. وقد ساهم التلفزيون في إبراز أعضاء هذه المدرسة، وتحويل أقطابها الى نجوم شعبيين، فبرامج الزجل على شاشة تلفزيون لبنان لها تاريخ ومكانة، وقد انتقلت الفكرة فيما بعد الى محطات أخرى مع الأسماء ذاتها أو مع شعراء جدد. ومن هذه التلفزيونات نذكر: "تلفزيون الجديد"، "المنار"، "أي،آر،تي".
ولا ننسى دور أشرطة "الكاسيت" التي كانت تسجل أبرز حفلات "أبو علي" شعيب وزغلول الدامور، فقد كانت هذه الأشرطة محل اهتمام ومتابعة رواد وذواقة الشعر الزجلي.
جبل عامل
اهتم الزجل بتسجيل الأحداث السياسية في جبل عامل، وخاصة الفخر، واستغل الشعراء القصائد ليبرزوا مقدرة أهل جبل عامل عبر المقارنة بين عساكرهم وعساكر العدو. وتنضح هذه القصائد بروح ملحمية عند تصوير الأحداث، يرافقها الشعور بالأسى والخوف لدى الخصوم. ربما هذا ما يفسر النَفَس الخاص في شعر زين شعيب، حيث تحضر القوة والعنفوان و"المرجلة".
ولد زين شعيب ونشأ في عائلة من الشعراء، فجده كان شاعراً، وكذلك والده، ينقلون الشعر من جيل الى جيل. في عمر الثامنة بدأ زين شعيب بإنشاد الزجل، وصار يذهب الى الحفلات فيفاجئ الحضور بما ينشده. وقد زاد في شهرته ردّه المتوازن والجريء على الشاعر علي القماطي، وكان يكبره سناً وشهرة.
أسس شعيب في بداية حياته الزجلية جوقة "الجنوب العاملي" مع الشاعرين خليل روكز وعبد الجليل وهبي بداية الأربعينيات، وأقاموا كثيراً من المباريات التي ذاع صيتها في ذلك الوقت، الى أن تعرف الى زغلول الدامور وانضم الى جوقته، وبقيا معاً حتى توقفه بسبب المرض.
حفظ التراث
مما لا شك فيه أن زين شعيب استطاع أن يكون صادقاً في شعره، وعرف كيف يعبّر عن مناخ قريته ومحيطه، ويعبر من خلالها وخلال مرادفاتها اللغوية وخصوصياتها المناطقية نحو آفاق أوسع وأرحب، فخاطب جمهوراً أكبر في لبنان وخارجه، واستطاع من خلال هذه الثقة التي مُنحها أن يكون أكثر جرأة وتحدياً، فكان في مكان عاشقاً وفي آخر محرضاً، كما كان في أماكن كثيرة من شعره ناقداً ساخراً يلعب على حبلي "المشارة" والتورية. انما المدهش في شعر "أبو علي" وغيره من شعراء الزجل، هو المقدرة على تبسيط الفلسفة وإعادة طرحها الى عامة الناس من دون عوائق المصطلحات وجمود النظريات.
عن 84 عاماً غادرنا أبو علي بعد أن استودعنا تراثاً كاملاً من الشعر، يستأهل المراجعة والفرز والتصنيف، ثم الجمع في أعمال عدة ودراسات تبدأ من السيرة ولا تنتهي عند صوره الشعرية والفكرية..
رحل زين شعيب لينشد الزجل لسكان التراب..
هل تراه سيحرّضهم!!

عبد الحليم حمود

جريدة الانتقاد

 

الصفحة الرئيسية