|
ذكرها تلك الغرفة، في الركن
القصيّ للطابق الارضي من «مدرسة سعد» في بنت جبيل. كانت
«عالماً جديداً» لطفل في الخامسة ولد على بعد خطوات من مبناها
«المهيب» في ذلك الزمن.
أدرك بعد ما ينوف عن الاربعين
عاماً ان ذاكرتي مع اوائل الحروف لا تملك انفصالاً عن هيئة
الرجل الوقور الذي تلقانا كـ«وديعة» من اهالينا لنبدأ اول خطوة
في «عالم الدراسة». كان من شأن المربي جواد شرارة ان يتحول في
لحظات قليلة الى «مجموعة آباء» بعدد الأبناء الذين أُمسك
بأياديهم الى باب الغرفة وتمّ «تسليمهم» الى المعلم، امانات لا
تعي تماماً ما كان يحيط بها من «غرائب» البيئة الجديدة. ومن
اجدر من معلم تلك الازمنة على حفظ الأمانات؟
سبحة يسر في اليد، ولفافةُ تبغ
تثبت بين السبابة والوسطى، يتثاءب دخان منها صعوداً. تحسب
للوهلة الاولى انك في حضرة ''رجل من نار''، سرعان ما تطفئ
كلماته الاقرب الى الترانيم على شفتين مزمومتين، كل القلق
الطفولي فيك، وتسكب عيناه الغائرتان قليلا في محجريهما على شيء
من الضيق، نظرات ترسم فوق صدرك المثقل بالأسئلة، إجابات سريعة
ومجتزأة لما سيكون عليه حالك بعد اليوم.
هذا استاذك جواد شرارة تنطبع
صورته في ذاكرتك البيضاء وتلزمها سحابة عمرك وتجلل ابجديتك
البكر بصدى نبرته التي يلونها جلال الفصحى، فتستعيدها بعدما
صرت رجلاً في زيارة له عام التحرير في منزله. يقوم على خدمتك
بذاته رغم ثقل السنين على قامته الفاقدة جل إنتصابها، تحاول
الإبحار في لجة عمره وهو البنت جبيلي النادر، المتبقي من جيل
المربين الاوائل، بعد رحيل عبد اللطيف سعد. فيردك الى شاطئ
عمره الذي تتكسر عنده اواخر السنين ويتلو امامك شهادات مقتضبة
تمتزج فيها حلاوة العمر بمرارة بعض الظروف، ولكنها تنمُ عن رضى
وسعادة بالتحرير الذي طال انتظاره، وسقط دونه احد ابنائه
شهيداً على ارض بنت جبيل قبل ما يربو على العشرين عاماً.
طوى الموت آخر صفحة من عمر جواد
شرارة، لكن صورة المربي العتيق تأبى ان تغادر ذاكرة بنت جبيل،
التي تحفظ للمربي الراحل وجيله من الكبار مطرحاً يستحيل ملؤه.
عدنان بيضون - صدى الوطن
|