"فرح"، "حزن"، "هزيمة"، "انتصار" .. كلمات واسعة، شاملة تصف
المشهد بخطوطه العريضة، دون الولوج بين السطور الدقيقة للمعنى،
فهناك تدرجات، وعدة نكهات وأطعمة تتراوح بين المرّ والمزّ
والحلو.
لطعم الانتصار عند أهالي "حانين" مذاق خاص، مجبول ببهار الصمود
المجفف، وملح الحصار الخشن، وطحين التهجير الأسمر، المغمس بزيت
الدم القاني الساخن.
بعد ساعات من التحرير شاهدتهم يجلسون على صخور البلدة.. ما
رأيته في عيونهم لم يكن الدمع وما لمحته على شفاههم لم يكن
الفرح... الصمت ديكتاتور الصوت، التأمل سيد اللحظة، الذكريات
حلقت كغيوم كثيفة فوق رأس القرية...
لفهم المشهد ثمة الكثير من الصور والمراحل، سنحاول اختلاسها من
جعبة التاريخ، أما الطعم فهو سرّ لن يذوقه أحد غير أبناء حانين
أنفسهم.
وعي مبكر
إن تاريخ حانين النضالي يبدأ مع التاريخ النضالي لجبل عامل،
ويظل محافظاً على هذا الانسجام من حيث مشاركة البلدة في
التيارات الوطنية التي عمّت عشية الاستقلال، ومن حيث إسهام
حانين مع قرى وبلدات جنوبية اخرى في تمويل الثورة الفلسطينية
قبل سقوط فلسطين والانخراط في صفوف المجاهدين.
وتابعت حانين نضالها المبدئي، فكانت ملاذاً للفدائيين ووسادة
لنومهم وتنوراً لخبزهم..
وعلى تراب حانين كان مسؤول المجموعة يرسم بغصن صغير خطوط
العملية التالية..
على خط موازٍ كانت حانين تخوض حرباً على الاقطاع السياسي، لم
تبدأ مع إعلان "البيك" بناء قصره على أرضها، ولم تنته مع
امتناع معظم الاهالي عن انتخاب لائحته، مع ما نتج عن هذه
الخطوة من احترام "لحرية التعبير"!
فقد دُهمت القرية ليلاً وخُلعت أبواب منازلها وسُحب نساؤها
وعجزتها الى السجن... اعتقد الجميع أن قريتهم الواقعة على
الحدود تتعرض لاعتداء صهيوني، ولكنهم اكتشفوا انهم يتعرضون
لاعتداء من عناصر رسمية لبنانية كانت ذراعاً من أذرع الاقطاع
حينها.
تراجيديا الحصار
في ظل اختمار أبجدية المقاومة ونضج الوعي السياسي والممارسة
التطبيقية كانت حانين "بؤرة" خطر ورمز لا بد من إخماده. فبدأ
المخطط مع حصار طويل دام أكثر من 40 يوماً، ثم كان الانقضاض
على القرية في 16 ـ 10 ـ 1976 وكان يوم جمعة. برغم قلة السلاح
وانعدام الامدادات قاوم رجال القرية ببسالة، فكان الموت ظلاً
لكل منهم. أما عتاد القتلة وعديدهم فكان استثنائياً، جُمع من
أكثر من جهة وحشد من أكثر من مكان، بعد أن انجزوا جريمتهم في
النبعة، والكرنتينا وتل الزعتر وصلحة وحولا...
في 16 ـ 10 ـ 1976 دخل القتلة القرية، أحرقوا منازلها، دمروها،
قتلوا، اغتصبوا، شردوا، سرقوا... وكان التهجير عبر الحقول
باتجاه الشمال حيث بلدة الطيري، القذائف الفسفورية تضيء السماء
والرصاص يفلح التراب والعيون تلتفت الى الخلف حيث القلق والرعب
على من بقي في القرية.
بعد مرور العتمة وانزياح الدخان وتبدد رائحة البارود، أطلّت
رائحة الدم، وتكشّف المشهد على مجزرة من ثمانية شهداء: علي
محمد شهاب، محمد حسن قشاقش، أحمد الحاج حسين صوفان، احمد
الشامي، مريم عباس، هلا سويدان، حسن شبيب شهاب، ومحمود أسعد
قشاقش.
بعد هذا المشهد أسدلت الستارة على القرية التي غادرها كل
سكانها، هذا الى عيتا وذاك الى البازورية أو برجا أو الحوش أو
بيروت.
وكان فصل جديد من المعاناة والذل والبحث عن لقمة العيش دون أن
تغيب المقاومة عن البرنامج اليومي، فدخل الكثير من أبناء
القرية صفوفها، وحاربوا تحت رايتها واستشهد نخبتهم :اكرم
منصور، ياسين شهاب، علي شهاب، عبدالله صوفان، باسم قشاقش، علي
عباس، عزت سويدان.
السيرة
تقع حانين غربي بنت جبيل وهي تبعد نحو خمسة كيلومترات عن حدود
فلسطين المحتلة. يحدها شرقاً عين إبل وجنوباً رميش وغرباً دبل
وشمالاً الطيري. ومن عائلاتها قشاقش، عباس، صوفان، سويدان،
شهاب، أبو جهجه، فياض، عيسى، حامد، يوسف وحسين...
في "خطط جبل عامل" يقول المؤرخ حسن الأمين في بحثه عن تاريخ
بلدة حانين: خرج منها من العلماء الشيخ حسن بن علي بن أحمد
الحانيني، عالم، أديب، شاعر، فقيه، له العديد من المؤلفات التي
لم يبق منها أثر، وقد تولى الحانيني منصب الإفتاء في إمارة فخر
الدين المعني، وتوفي سنة 1035 ميلادية، ودفن على جانب الطريق
الواصل الى حانين من بنت جبيل.
التحرير
لحظة التحرير كان أهالي حانين كأبناء باقي القرى في طليعة
الداخلين الى بلداتهم مع رجال المقاومة.
وكانت الصدمة! أين القرية؟! أين معالمها وطرقاتها وأزقتها
ومنازلها؟؟
لا شك، عرف أبناء حانين أن قريتهم مدمرة، وكانوا محضرين مسبقاً
للحظة لقائهم مع منازلهم المحطمة، لكن ليس الى هذه الدرجة،
درجة أن لا يروا حجراً على حجر، أو طريقاً هنا وشجرة يعرفونها
هناك... وبما أن أيام التحرير كانت ربيعية فقد كان العشب أخضر
وعالياً لدرجة أخفى حتى أساسات البيوت إلا اذا وقفوا فوقها.
نجلاء وفيثاغوروس!
ما الذي يجمع نجلاء ابنة حانين بالفيلسوف اليوناني الذي اعتمد
في نظرياته الفلسفية على الأرقام والحساب فيثاغوروس؟
لقد استعارت نجلاء من هذا الفيلسوف بعض نظرياته الحسابية
للاستدلال المنطقي على منزل أهلها الذي ولدت وترعرعت فيه، فكان
أن وقفت في المنتصف ونظرت الى بقايا المسجد والمقبرة ثم حدقت
بشجرة ميس، وحاولت أن تستنتج المسافة المفترضة التي كان عليها
أرض منزلهم... بعد عناء قالت نجلاء: "اذاً بيتنا هنا". هنا
أين؟ فالمكان لا يشي بملامح منزل. تقدمت نجلاء نحو المكان
المفترض حسابياً، بعد أن عبرت العشب المرتفع لتجد سقف المنزل
وهو يلامس الأرض حيث ثلاث درجات توصل الى الباب، والى جانب
السقف بقيت البئر فاغرة فاها نحو السماء وكأنها كانت تطلق
نداءاتها طيلة سنوات الاحتلال.
من هذه النقطة استرجعت نجلاء جغرافية القرية وحددت شمالها من
جنوبها، ومنزل الخال علي من منزل الأخ خليل... التفتت نجلاء من
حولها ونظرت الى أبناء قريتها وعرفت ما في رؤوسهم من خلال ما
شعرت به..
أين الذكريات التي سنسترجعها؟ وأين هي اللحظات التي نعيد
صياغتها: اللعب جنب البيت، الرحلة الى المدرسة، تسلق الشجرة
الفلانية والقفز عن الجدار الفلاني، وكان الجواب حتمياً على
الجميع: هذه حانين ورقة بيضاء، خذوا قلماً من الأسمنت وأعيدوا
رسم قريتكم، ارسموا منازلكم، لونوا بالأخضر ليكن شجراً، لونوا
بالأسود ليكن شارعاً..
"حانين ترحب بكم"
في 25 أيار عام 2000 تحولت القرى المحررة الى أرض خصبة لعدسات
المصورين وأقلام المراسلين لصحف وتلفزيونات محلية وعالمية، لكن
لم يكن لحانين حصة تذكر! في 25 أيار عام 2000 تحولت القرى
المحررة الى أرض خصبة لرجال السياسة والمجتمع والثقافة
والرياضة والجمعيات والمؤسسات، لكن لم يكن لحانين حصة تذكر!
لماذا؟ لأن معظمهم لم ينتبه أن هناك قرية أو ملامح قرية فكانوا
يعبرون طرقاتها نحو بلدة أخرى، برغم أن أهالي حانين استحدثوا
خيمة فيما بعد لتكون محطة أولية لقاصدي القرية من ابنائها أو
زائريها.
في تلك اللحظات أشار أحد فاعليات القرية الى ضرورة وضع لافتة
تشير الى اسم القرية عند مدخلها، فتم الأمر: "حانين ترحب بكم".
البناء
لم يمر وقت طويل حتى أتت المساعدات الرسمية من دولة الكويت
لبناء المنازل، كما أتت مساعدات من أحزاب وجمعيات كثيرة، كل
حسب طاقته ومجاله، فبنيت المساجد، كما بنيت مدرسة، ورممّت بركة
الضيعة، وهناك من تعاون في التشجير الخ... لم يكتف أهل حانين
بمبلغ التعويض بل اعتمد جلّهم اضافة الى جنى العمر، لتكون
منازلهم واسعة وعالية تتسع لهم ولأبنائهم وأحفادهم.
هنا المشهد في غاية الرمزية والتحدي، وأسطورة طائر الفينيق
تتجسد بكامل أبعادها، وأهم ما في الصورة هو هذه الثقة
والطمأنينة التي ولّدتها المقاومة لأبناء هذه القرى لدرجة أن
يضع أحدهم كل ما يملك في سلة واحدة/المنزل، علماً أن الموقع
الاسرائيلي يمكن مشاهدته بأم العين، وهو جاثم على أراضي
فلسطين، كما ان الماضي ليس ببعيد لينسوا عمليات الهدم والحرق
والقتل... لم يثنهم كل ذلك، ولم يردعهم عن البناء والعودة مع
كامل الإصرار و"الترصد".
حلة جديدة
انها النسخة الثانية من حانين، فريدة ومنقّحة وبحجم كبير، بعدد
سكان أكثر وطاقات علمية لافتة، ونجاحات لأبنائهم في مجالات
عدة. وها هو ابنها دياب أبو جهجه يرفع دعوى قضائية على شارون
أمام المحاكم البلجيكية جراء ما ارتكبه من مجازر في صبرا
وشاتيلا، وبرغم ان القوانين قد عُدلت لحماية هذا المجرم، ستبقى
الدعوى قائمة في حال خروجه من منصبه الرسمي..
فعلاً لطعم التحرير عند أبناء حانين مذاق آخر.
عبد الحليم حمود
