أحاديث قروية

ساعة الحائط المعلقة أمام ناظري تشير الى الخامسة عصراً.. وعدم خروجي من المنزل كعادتي في مثل هذا الوقت يبدو احتمالاً وارداً.. ورغبة عارمة تلفني وتزيدني إصراراً على البقاء في غرفتي وقضاء المزيد من الوقت بين أفكاري و .. أوراقي...

وبعد تردد قررت الخروج للقاء الأصحاب كالعادة..

وعادت الى ذاكرتي أحاديث المجموعة إياها عصر البارحة.. وقد كنت أحد الحضور ولاحظت ان حديث الناس بعد التحرير لم يعد يدور همساً.. المهم كلنا شبه متقاعدين عن العمل, ومعظمنا تخطى عتبة الستين..

نلتقي يومياً بصورة شبه دائمة.. متلهفين كأننا على موعد يجب ان لا نتخلف عنه. وحديثنا كثيراً ما يدور حول ما نعيشه من أحداث يومية وحياتية..

وإذا حدث وتخلف أحدنا عن الحضور والمشاركة في الجلسة.. تثار دهشة واستغراب مبالغ فيهما. وأعتقد ان القواسم المشتركة بيننا تلعب دوراً مهماً.. ومكان وجودنا ـ او بالأحرى ـ "المقر الدائم لمجلسنا الموقر"، هو مكان هادئ في الطرف الشمالي من ساحة قريتنا الجنوبية المتاخمة لحدود فلسطين المحتلة.. هذا المكان ملائم الى حدٍ ما بشكل لافت للقاءات كهذه، ولكن عصراً.. يغمره ظل منعش ومريح.. وشعار هذا المكان وجود محطة كهرباء قديمة.. والغريب ان المجموعة أصبحت معروفة تماماً من قبل الآخرين.. فمثلاً اذا سألت عن فلان يقال لك تجده بالقرب من محطة الكهرباء القديمة والعاطلة عن العمل.. والطريف ان البعض يمر ملتفتاً نحونا ويلقي علينا السلام والتحية بكل احترام، لكنه لا ينضم الينا.. لماذا؟ لا أدري.. وقد يتمنى في قرارة نفسه الانضمام، ولكنه يتابع سيره نحو مجموعة أخرى يبدو أنه اعتاد عليها.. وكأن مجموعتنا أصبحت مميزة بعض الشيء لأسباب ليست بالضرورة جوهرية.. أحياناً يرتفع عدد الحضور إلى ما هو فوق العادة.. وأحياناً يهبط بشكل غير مألوف: واحد.. اثنان.. ثلاثة.. وأحياناً لا أحد.. ويبقى المكان خالياً إلا من صبية يلهون مستغلين فترة إقفال "القاعة" غير المرئية..

أحد الظرفاء علّق على وجودنا شبه الدائم مازحاً: "ترسم سياسة الشرق الأوسط خلال جلسات جماعة محطة الكهرباء القديمة والعاطلة عن العمل"، والإقبال على الحضور يكون على أشدّه في المناسبات..

انتخابات بلدية.. نيابية.. رئاسية.. أحداث سياسية مهمة.. محلية.. إقليمية.. او حتى شرق أوسطية، وأما الحديث عن المغتربين فهو شبه دائم.. وكأني بأحدنا يقول: "ليش أخبار العراق شو بتشكي.."!

وعندما تضرب المقاومة في مزارع شبعا المحتلة.. عندها ترتفع حرارة الحوار: "الله يعطيهم العافية.. بيعرفوا ايمتى يضربوا بقوة.. خاصة لما بتكون اسرائيل محشورة.. الله يحرسهم..".

ويبتسم أحدنا بهدوء واتزان ويده تعبث بسبحة: "يا جماعة هلأ إحنا مرتاحين.. أعصابنا قوية.. معنوياتنا مرتفعة.. أبواب بيوتنا مفتوحة ليل نهار.. عايشين بأمان.."، ويشير بإصبعه نحو مستعمرة اسرائيلية تبدو من بعيد كأنها وصمة عار تعلو جبين كل الأنظمة العربية مجتمعة.. قائلاً: "هوديك الصهاينة خايفين مرعوبين بصورة دايمة.. بالليل والنهار.. تذكروا أيام الاحتلال البغيض كيف كانت حالتنا.. هلأ إحنا بألف خير.. التحرير نعمة كبيرة من الله.. وكله بفضل شباب المقاومة وتضحياتهم البطولية.. وسهرهم على الحدود"..

وهنا يهتف "كبير السن" بيننا معبراً عن مشاعره بعفوية حارة صادقة.. وكأنه يسير في تظاهرة: "الله أكبر.. الله أكبر.. الله يحفظ لنا السيد حسن".. ويتابع: "هيك أنا بدي ارفع صوتي.. خلي الكل يسمعوا.."..

ويشارك آخر بالحديث وكأنه كان ينتظر دوره في الكلام بشوق عارم: "بتتذكروا يا جماعة يوم اللي دخلت المقاومة عالضيعة منتصرة.. كانت طلة حلوي.. تاريخية.. يومها والله بشرفي بكيت.. يومها هالزلمي هيدا شافني.. كانت دموع الفرح.. فرح النصر"..

ويقاطعه آخر مبتسماً: "ولو هيدي ذكرى بتنتسى.. يومها خلقنا من جديد.. يومها دبكنا بهالساحة".

وتنوع حديث المجموعة وتشعّب.. ولفت انتباهي حديث أحدهم وتركيزه على "الثورة العمرانية" ـ اذا صح التعبير ـ التي اجتاحت بعد التحرير قرى وبلدات ما كان يسمى الشريط الحدودي.. وقد استطرد قائلاً: "لولا دحر قوى الاحتلال وتوافر الأمن والأمان.. لما شاهدنا هذا العمران الذي ازدهر بفضل النشاط الفردي من قبل المواطنين الجنوبيين.. وأما الدولة فقد كانت كما يقال: هون ومش هون". ويشير الى محطة الكهرباء القديمة قائلاً: "تفرجوا هيدي دولتنا".. ثم يتابع: لا أنكر أنها تكرمت علينا وأفاضت بوعود كثيرة، ولكن دون تنفيذ.. تذكروا يا إخوان.. اجتماع بنت جبيل الذي عُقد في الأيام الأولى للتحرير.. لقد بقيت مقررات هذا الاجتماع حبراً على ورق.. وكان القصد منه ضجيجاً إعلامياً لا أكثر ولا أقل، او بالأحرى "تحصين مواقع".. وأما شبابنا.. فلذات أكبادنا.. منهم منتشر هنا على الحدود شاهراً سلاحه للدفاع عن الأرض والشعب..

ومنهم الغائب في بلاد الاغتراب الواسعة وعرقه وجهده هناك يتحولان "دماءً حارة" تتدفق سريعاً في جسد هذا الوطن المريض.. النازف دائماً هنا.. لا تلبث ان تلعقها أفواه مصاصي دماء هذا الشعب".. أعني لولا أموال المغتربين شو كان صار بهالناس".. ويرتفع صوت أحدهم متجهماً: "يا إخوان.. يا إخوان.. كلامكم على الرأس والعين.. بس هالغلا دابح الناس دبح.. لو كان الواحد منا مش محتاج.. بس محتاج.. والقادر لازم يتحرك.. ونتيجة السلب والنهب من أموال الدولة.. الوضع الاقتصادي بالبلد على كف عفريت.. والوضع ينتقل من سيىء لأسوأ..".

ويسود صمت رهيب.. وكأن الحديث عن المشكلة الاقتصادية وهي "أم المشاكل" حديث بيسمّ البدن.. وخصوصاً الحديث عن الدين العام. وتأتي ملاحظات وضحكات جالس الى جواري مرتفعة بعض الشيء تفاجئ الحضور، لكنه ما لبث ان قال وقد تلاشت ضحكاته: "يا إخوان.. اسمعوني منيح.. لبنان هيك كان.. وهيك رح يبقى.. لبنان بلد العجائب والغرائب.. والعمل الجدي والمميز الوحيد من بداية الاستقلال حتى الآن، هو معجزة التحرير.. وأعني تحرير الجنوب من الاحتلال. والخطر الداهم والدائم على لبنان هو ان اللبناني نفسه لديه مقدرة فائقة لتمييع كل فكرة جيدة وعمل مميز.. وهذا ليس شكاً من جانبي، بل حقيقة.. لذلك واجب عليكم ان تصونوا وتحافظوا على نهج المقاومة.. حتى من أنفسكم.. نعم من أنفسكم.. شو رأيكم".. وساد الجلسة صمت رهيب أثار صحوة الجميع.. وبقي سؤال الرجل معلقاً بلا إجابة!

وكان رأيه هذا جريئاً.. صارخاً.. مدوياً.. يعود الى سمعي وأنا أغادر المكان تاركاً خلفي محطة الكهرباء القديمة وكلماته ترن في أذني.. ان اللبناني لديه مقدرة فائقة لتمييع كل فكرة جيدة وعمل مميز.. وأضيف من جانبي كلمات قليلة: ان التاريخ أثبت هذه الحقيقة أكثر من مرة.. من جديد.. صحوت من تخيلات وذكريات وقائع جلسة عصر البارحة.. وساعة الحائط تشير الى السابعة والنصف مساءً..

وتذكرت أني لم أستمع منذ ساعتين الى نشرة خبرية..

والمعروف عني أني لا أترك نشرة خبرية دون سماعها.. وضغطت على "الروموت" وجهاز التلفاز أمام ناظري..

وكانت مفاجأة سارّة عندما تسرب الى سمعي صوت المذيع يقول في مقدمة النشرة: اليكم هذا النبأ العاجل الذي وردنا الآن.. ضربت المقاومة عصر هذا اليوم بقوة وعنف وتركيز مواقع العدو الصهيوني في مزارع شبعا المحتلة، وأوقعت فيها اصابات مباشرة، وقد شوهدت سحب الدخان ترتفع من سماء المنطقة..

واعترف العدو متأخراً كعادته بمقتل جندي من جنوده وإصابة آخر إصابة بليغة..

وهنا ابتسمت فرحاً.. وأشرقت أمام عيني ابتسامات كثيرة في هذا الوطن..

صبحي يوسف أيوب

 

 

.............................................................................................................................
الصفحة الرئیسیة
| اخبار البلد | الوفيات في البلدة
اناشيد اسلامية | سجل الزوار
| اخبار عالمية | امثال لبنانية | صفحة الصور |اتصل بنا

Copyright ©2004 - 2004 Bintjbeil.4t.com All rights reserved